ابن كثير
488
السيرة النبوية
إن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخلف عنها الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر فقلت له : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار . فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم ، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلت : نريد إخواننا من الأنصار . فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين . فقلت : والله لنأتينهم . فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة . فقلت . ماله ؟ قالوا : وجع . فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال : أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا ، وقد دفت دافة ( 1 ) منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويحصونا من الامر . فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبى بكر وكنت أداري منه بعض الحد ( 2 ) ، وهو كان أحكم منى وأوقر ، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حين سكت . فقال : أما بعد ، فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ، وما تعرف العرب هذا الامر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم ، وأخذ بيدي ويد أبى عبيدة بن الجراح . فلم أكره مما قال غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم ؟ أحب إلى أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، إلا أن تغر نفسي عند الموت .
--> ( 1 ) دفت دافة : بدرت بادرة . والدفيف : المشي الخفيف ويختزلونا : يقتطعونا . ويحصونا : يمنعونا . ( 2 ) الحد : الغضب ، كالحدة .